أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
103
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الشيخين : الخليل والكسائي . والثاني : أن موضعها نصب ، وفيه ثلاثة أوجه : الأول : أنه نصب بعد إسقاط الخافض ، وهو الباء ، وهذا مذهب التلميذين : سيبويه « 1 » والفراء . الثاني : أنه منصوب بفعل مقدر أي : يذكر أني ، فيذكر صفة لرسولا ، حذفت الصفة وبقي معمولها . الثالث : أنه منصوب على البدل من « رَسُولًا » أي : إذا جعلته مصدرا مفعولا به ، تقديره : ويعلّمه الكتاب ويعلّمه أني قد جئتكم ، جوّزه أبو البقاء وهو بعيد في المعنى . الثالث من الأوجه الأول : أنّ موضعه رفع على خبر مبتدإ محذوف أي : هو أني قد جئتكم . وقرأ بعض القرّاء بكسر هذه الهمزة وفيها تأويلان : أحدهما : أنها على إضمار القول أي : قائلا إني قد جئتكم ، فحذف القول الذي هو حال في المعنى وأبقى معموله . والثاني : أن « رَسُولًا » بمعنى ناطق ، فهو مضمّن معنى القول ، وما كان مضمّنا معنى « القول » أعطي حكم القول ، وهذا مذهب الكوفيين . وقوله : بِآيَةٍ يحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف على أنها حال من فاعل « جِئْتُكُمْ » أي : جئتكم ملتبسا بآية . والثاني : أنها متعلقة بنفس المجيء أي : إجاءتكم الآية . وقوله : « مِنْ رَبِّكُمْ » صفة لآية فيتعلّق بمحذوف أي : بآية من عند ربكم ، ف « مِنْ » للابتداء مجازا ، ويجوز أن يتعلّق « مِنْ رَبِّكُمْ » بنفس المجيء أيضا . وقدّر أبو البقاء الحال في قوله « بِآيَةٍ » بقوله : محتجّا بآية ، إن عنى من جهة المعنى صحّ ، وإن عنى من جهة الصناعة لم يصحّ ، إذ لم يضمر في هذه الأماكن إلا الأكوان المطلقة . وقرأ الجمهور : « بِآيَةٍ » بالإفراد في الموضعين ، وابن مسعود : « بآيات » جمعا في الموضعين . قوله : أَنِّي أَخْلُقُ قرأ نافع بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها . فالكسر من ثلاثة أوجه : الأول : على إضمار القول أي : فقلت : إني أخلق . الثاني : أنه على الاستئناف . الثالث : على التفسير ، فسّر بهذه الجملة قوله : « بِآيَةٍ » كأنّ قائلا قال : وما الآية ؟ فقال هذا الكلام ، ونظيره ما سيأتي : « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ » ثم قال : « خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » « 2 » فخلقه مفسرة للمثل ، ونظيره أيضا قوله تعالى : « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » ثم فسّر الوعد بقوله : « لَهُمْ مَغْفِرَةٌ » « 3 » ، وهذا الوجه هو الوجه الصائر إلى الاستئناف ، فإنّ المستأنف يؤتى به تفسيرا لما قبله ، إلا أنّ الفرق بينه وبين ما قبله أنّ الوجه الذي قبله لا تجعل له تعلّقا بما تقدّم البتة ، بل جيء به لمجرد الإخبار بما تضمّنه ، والوجه الثالث تقول : إنه متعلّق بما تقدّمه ، مفسّر له .
--> ( 1 ) انظر الكتاب 1 / 17 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 59 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 9 ) .